ابراهيم بن عمر البقاعي

585

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

ثمرات النبات والحيوان التي هي خبء في ذوات ما هي خارجة منه ، فهي كخروج الناس بعد موتهم من خبء الأرض ، فقال مقدما للرزق على الخلق كما هو الأليق ، عطفا على ما تقديره : فما يعلمها ولا يعلمها إلا هو : وَما تَخْرُجُ أي في وقت من الأوقات الماضية والكائنة والآية ، فإن « ما » النافية لا تدخل إلا على معناه الحلول ، فالمراد مجرد تصوير إن كان زمانه قد مضى أو لم يأت ، وأكد النفي بالجار فقال : مِنْ ثَمَراتٍ أي صغيرة أو كبيرة صلحة أو فاسدة من الفواكه والحبوب وغيرها ؛ والإفراد في قراءة الجماعة للجنس الصالح للقليل والكثير ، نبهت قراءة نافع وابن عامر وحفص عن عاصم بالجمع على كثرة الأنواع مِنْ أَكْمامِها جمع كم وكمامة بالكسر فيهما وهو وعاء الطلع وغطاء النور ، وكل ما غطى على وجه الإحاطة شيئا من شابه أن يخرج فهوكم ، ومنه قيل للقلنسوة : كمة ، ولكم القميص ونحوه : كم ، أي إلا بعلمه وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى خداجا أو تماما ، ناقصا أو تاما ، وكذا النفي بإعادة النافي ليشمل كلا على حياله ، وعبر ب « لا » لأن الوضع ليس كالحمل يقع في لحظة بل يطول زمان انتظاره فقال : وَلا تَضَعُ حملا حيا أو ميتا إِلَّا حال كونه ملتبسا بِعِلْمِهِ ولا علم لأحد غيره بذلك ، ومن ادعى علما به فليخبر بأن ثمرة الحديقة الفلانية والبستان الفلاني والبلد الفلاني تخرج في الوقت الفلاني أو لا تخرج العام شيئا أصلا ، والمرأة الفلانية تحمل في الوقت الفلاني وتضع في وقت كذا أو لا تحمل العام شيئا ، ومن المعلوم أنه لا يحيط بهذا علما إلا اللّه سبحانه وتعالى . ولما ثبت بهذا علمه صريحا وقدرته لزوما وعجز من سواه وجهله ، وتقرر بذلك أمر الساعة من أنه قادر عليها بما أقام من الأدلة ، وأنه لا بد من كونها لما وعد به من تكوينها لينصف لمظلوم من ظالمه لأنه حكيم ولا يظلم أحدا وإن كانوا في إيجادها ينازعون ، وله ينكرون قال تعالى مصورا ما تضمنه ما سبق من جهلهم ، ومقررا بعض أحوال القيامة ، عاطفا على ما أرشد السياق إلى تقديره من نحو : فهو على كل شيء قدير لأنه على كل شيء شهيد وهم بخلاف ذلك ، مقررا قدرته تصريحا وعجز ما ادعوا من الشركاء : وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ أي المشركين بعد بعثهم من القبور ، للفصل بينهم في سائر الأمور فيقول المحسن إليك بأنواع الإحسان الذي منه إنصاف المظلوم من ظالمه على سبيل التوبيخ والتقريع والتنديم : أَيْنَ شُرَكائِي أي الذين زعمتم أنهم يشفعون لكم في هذا اليوم ويحمونكم من العقاب واللوم ، والعامل في الظرف قالُوا أي المشركون : آذَنَّاكَ أي أعلمناك سابقا بألسنة أحوالنا والآن بألسنة مقالنا ، وفي كلتا الحالتين أنت سامع لذلك لأنك سامع لكل ما يمكن أن يسمع وإن لم يسمعه غيرك ،